ابن حزم
25
رسائل ابن حزم الأندلسي
الموضوعات كفائدة الملح للإنسان ، وليس ثمة واحد يقف ليثني على " الحب " ؛ وفي مجلس يحيى فاتحة مشابهة ، فقد وجه رب المجلس حديثه إلى المثقفين والموجودين في حضرته ، بالتذمر من أنهم أسرفوا في الحديث عن كل نقطة ، مهما تدق ، في علم الكلام ، فتحدثوا عن الكمون والظهور والقدم والحدوث والنفي والإثبات والحركة والسكون والجزء والطفرة والأجسام والإعراض ، وإنهم قد أشبعوا القول في هذه القضايا وسواها ، ومن حق العشق عليهم أن يقولوا فيه شيئاً - دون منازعة ( 1 ) - ودون استعداد سابق ، بل بما سنح لهم في الوقت ، على نحو ما جرى في " حوار المأدبة " . وليس يهمني هنا : أحدث ذلك المجلس حقاً أم لم يحدث ، وهل ضم تلك الشخوص أو لم يضم ، وإنما الذي يهمني هو هذا " الأنموذج " الذي يقرب إلى الظن أن " حوار المأدبة " على نحو ما ، أو شيئاً شبيهاً به ، كان معروفاً لدى المثقفين المسلمين في أواخر القرن الثاني أو أوائل الثالث ، وإلا فلماذا " العشق " من دون سائر الموضوعات ينتدب إلى الكلام فيه على نحو واقعي أو متخيل - عدد من مفكري ذلك العصر لقد ملأ الحديث عن الحب الشعر العربي والحكايات والأسعار حتى حينئذ ، وكان لابد - في ظل الثقافة اليونانية - أن يتصدى له " المتفلسفون " ليحددوا طبيعته وماهيته ، على نحو يذكر المأدبة . بل إننا لا نستطيع أن ننفي الصلات الموضوعية بين مجلس يحيى والمأدبة ، معتمدين الحافز والإطار موضوعين للتشابه بينهما وحسب ، فإن المدقق في أحاديث المتكلمين في مجلس يحيى يلمح بعض المشابه في التعبير عن " الحب " أو " العشق " . هذا هو " فايدرس " المتحدث الأول في " المأدبة " يتناول الحب من حيث هو قوة محولة ، تجعل الحب يتوجه نحو الفضيلة وينفر من الرذيلة ومن كل ما يجر العار على نفسه في سبيل رضى
--> ( 1 ) " دون منازعة " ، وهي التي حددت عدم ظهور الحوار ، على نحو متعمد .